مشاهدة النسخة كاملة : نزار قباني .. سيرة وروائع


صقـر عتيبـة
31-01-2008, 12:43 PM
نزار قباني (1923 دمشق - 1998 لندن)


http://www.nizar.net/photos/nizarphotos/bnizar.jpg


تخرج نزار قباني من كلية الحقوق بدمشق 1944 ، ثم التحق بالعمل الدبلوماسي ، وتنقل خلاله بين القاهرة ، وأنقرة ، ولندن ، ومدريد ، وبكين ، ولندن.
وفي ربيع 1966 ، ترك نزار العمل الدبلوماسي وأسس في بيروت دارا للنشر تحمل اسمه ، وتفرغ للشعر. وكانت ثمرة مسيرته الشعرية إحدى وأربعين مجموعة شعرية ونثرية، كانت أولاها " قالت لي السمراء " 1944 .
نقلت هزيمة 1967 شعر نزار قباني نقلة نوعية : من شعر الحب إلى شعر السياسة والرفض والمقاومة ؛ فكانت قصيدته " هوامش على دفتر النكسة " 1967 التي كانت نقدا ذاتيا جارحا للتقصير العربي ، مما آثار عليه غضب اليمين واليسار معا.
في الثلاثنين من أبريل/ نيسان 1999 يمر عام كامل على اختفاء واحد من أكبر شعراء العربية المعاصرين: نزار قباني






السيــرة الذاتية

الولادة على سرير أخضر
يوم ولدتُ في 21 آذار(مارس) 1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة, كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة.. و كان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء.

الأرض و أمي حملتنا في وقت واحد..و وضعتنا في وقت واحد.

هل كانت مصادفة يا ترى أن تكون ولادتي هي الفصل الذي تثور فيه الأرض على نفسها, و ترمي فيه الأشجار كل أثوابها القديمة؟ أم كان مكتوباً عليَ أن أكون كشهر آذر, شهر التغيير و التحولات؟.

كل الذي أعرفه أنني يوم ولدتُ, كانت الطبيعة تنفذ إنقلابها على الشتاء.. و تطلب من الحقول و الحشائش و الأزهار و العصافير أن تؤيدها في إنقلابها..على روتين الأرض.

هذا ما كان يجري في داخل التراب, أما في خارجه فقد كانت حركة المقاومة ضدّ الإنتداب الفرنسي تمتد من الأرياف السورية إلى المدن و الأحياء الشعبية. و كان حي (الشاغور), حيث كنا نسكن, معقلاً من معاقل المقاومة, و كان زعماء هذه الأحياء الدمشقية من تجار و مهنيين, و أصحاب حوانيت, يمولون الحركة الوطنية, و يقودونها من حوانيتهم و منازلهم.

أبي, توفيق القباني, كان واحداً من هؤلاء الرجال, و بيتنا واحداً من تلك البيوت.

و يا طالما جلست في باحة الدار الشرقية الفسيحة, أستمع بشغف طفولي غامر, إلى الزعماء السياسيين السوريين يقفون في إيوان منزلنا, و يخطبون في ألوف الناس, مطالبين بمقاومة الإحتلال الفرنسي, و محرضين الشعب على الثورة من أجل الحريّة.

و في بيتنا في حي (مئذنة الشحم) كانت تعقد الإجتماعات السياسية ضمن أبواب مغلقة, و توضع خطط الإضرابات و المظاهرات و وسائل المقاومة. و كنا من وراء الأبواب نسترق الهمسات و لا نكاد نفهم منها شيئاً..

و لم تكن مخيلتي الصغيرة في تلك الأعوام من الثلاثينيات قادرة على وعي الأشياء بوضوح. و لكنني حين رأيت عساكر السنغال يدخلون في ساعات الفجر الأولى منزلنا بالبنادق و الحراب و يأخذون أبي معهم في سيارة مصفحة إلى معتقل (تدمر) الصحراوي..عرفت أن أبي كان يمتهن عملاً آخر غير صناعة الحلويّات..كان يمتهن صناعة الحريّة.

كان أبي إذن يصنع الحلوى و يصنع الثورة. و كنت أعجب بهذه الإزدواجية فيه, و أدهش كيف يستطيع أن يجمع بين الحلاوة و بين الضراوة..



=-=-=-=-=
أسرتي و طفولتي
في التشكيل العائلي, كنت الولد الثاني بين أربعة صبيان و بنت, هم المعتز و رشيد و صباح و هيفاء.

أسرتنا من الأسر الدمشقية المتوسطة الحال. لم يكن أبي غنياً و لم يجمع ثروة, كل مدخول معمل الحلويات الذي كان يملكه, كان ينفق على إعاشتنا, و تعليمنا, و تمويل حركة المقاومة الشعبية ضدّ الفرنسيين.

و إذا أردت تصنيف أبي أصنفه دون تردد بين الكادحين, لأنه أنفقخمسين عاماً من عمره, يستنشق روائح الفحم الحجري, و يتوسد أكياس السكَّر, و ألواح خشب السحاحير..

و كان يعود إلينا من معمله في زقاق (معاوية) كلَّ مساء, تحت المزاريب الشتائية كأنه سفينة مثقوبة..

و إني لأتذّكر وجه أبي المطلي بهباب الفحم, و ثيابه الملطخة بالبقع و الحروق, كلّما قرأت كلامَ من يتّهمونني بالبرجوازية و الأنتماء إلى الطبقة المرفهة, و السلالات ذات الدم الأزرق..

أي طبقة.. و أي دم أزرق.. هذا الذي يتحدثون عنه؟

إن دمي ليس ملكياً, و لا شاهانياً, و إنما هو دم عادي كدم آلاف الأسر الدمشقة الطيبة التي كانت تكسب رزقها بالشرف و الإستقامة و الخوف من اللّه..

وراثياً, في حديقة الأسرة شجرة كبيرة..كبيرة..إسمها أبو خليل القباني. إنه عمّ والدتي و شقيق جدّ والدي..

قليلون منكم_ربّما_ من يعرفون هذا الرجل.

قليلون من يعرفون أنه هزّ مملكة, و هزَّ باب (الباب العالي) و هزَّ مفاصل الدولة العثمانيَّة, في أواخر القرن التاسع عشر.

أعجوية كان هذا الرجل. تصوَّرووا إنساناً أراد أن يحول خانات دمشق التي كانت تزرب فيها الدواب إلى مسارح..و يجعل من دمشق المحافظة, التقيّة, الورعة..(برودواي) ثانية..

خطيرة كانت أفكار أبي خليل.و أخطر ما فيها أنه نفَّذها.. و صُلب من أجلها..

أبو خلبل القبّاني كان إنسكلوبيديا بمئة مجلد و مجلد.. يؤلف الروايات, و يخرجها, و يكتب السيناريو, و يضع الحوار الحوار, و يصمم الأزياء, و يغني و يمثل, و يرقص, و يلحّن كلام المسرحيات, و يكتب الشعر بالعربية و الفارسيّة.

و حين كانت دمشق لا تعرف من الفن المسرحيّ غير خيمة (قره كوز) و لا تعرف من الأبطال, غير أبي زيد الهلالي, و عنترة, و الزير..كان أبو خليل يترجم لها راسّين عن الفرنسية..

و في غياب العنصر النسائي, اضطر الشيخ إلى إلباس الصبية ملابس النساء, و إسناد الأدوار النسائية إليهم, تماماً مثلما فعل شكسبير في العصر الفيكتوري.

و طار صواب دمشق, و أصيب مشايخها, و رجال الدين فيها بإنهيار عصبيّ, فقاموا بكل ما يملكون من وسائل, و سلّطوا الرعاع عليه ليشتموه في غدوه و رواحه, و هجوه بأقذر الشعر, و لكنه ظل صامداً, و ظلّت مسرحياته تعرض في خانات دمشق, و يقبل عليها الجمهور الباحث عن الفن النظيف.

و حين يئس رجال الدين الدمشقيون من تحطيم أبي خليل, ألفوا وفداً ذهب إلى الأستانة و قابل الباب العالي, و أخبره أنَّ أبا خليل القباني يشكل خطراً على مكارم الأخلاق, و الدين, و الدولة العليّة, و أنه إذا لم يُغْلَق مسرحه, فسوف تطير دمشق من يد آل عثمان..و تسقط الخلافة.

طبعاً خافت الخلافة على نفسها, و صدر فرمان سلطاني بإغلاق أول مسرح طليعي عرفه الشرق و غادر أبو خليل منزله الدمشقي إلى مصر, و ودّعته دمشق كما تودّع كلُّ المدن المتجرة موهوبيها, أي بالحجارة, و البندورة, و البيض الفاسد..

و في مصر, التي كانت أكثر إنفتاحاً على الفن, و أكثر فهماً لطبيعة العمل الفني, أمضى أبو خليل بقيَّة أيام حياته, و وضع الحجر الأول في بناء المسرح الغنائي المصري.

إن انقضاض الرجعيّة على أبي خليل, هو أول حادث استشهاد فنيّ في تاريخ أسرتنا..و حين افكر في جراح أبي خليل, و في الصليب الذي حمله على كتفيه, و في ألوف المسامير المغروزة في لحمه, تبدو جراحي تافهة..و صليبي صغيراً صغيراً

فأنا أيضاً ضربتني دمشق بالحجارة, و البندورة, و البيض الفاسد..حين نشرتُ عام 1954 قصيدتي (خبز و حشيش و قمر)..

العمائم نفسها التي طالبت بشتق أبي خليل طالبت بشنقي..و الذقون المحشوّة بغبار التاريخ التي طلبت رأسه طلبت رأسي..

(خبز و حشيش و قمر) كانت أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني و بين الخرافة..و بين التاريخين.

=-=-=-=

دارنا الدمشقية
لا بدَّ من العودة مرةً أخرى إلى الحديث عن دار (مئذنة الشحم) لأنها المفتاح إلى شعري, و المدخل الصحيح إليه.

و بغير الحديث عن هذه الدار تبقى الصورة غير مكتملة, و منتزعة من إطارها.

هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة.

إنني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ,و لكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر ..و إنما أظلم دارنا.

و الذين سكنوا دمشق, و تغلغلوا في حاراتها و زواريبها الضيقة, يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون...

بوّابة صغيرة من الخشب تنفتح. و يبدأ الإسراء على الأخضر, و الأحمر, و الليلكيّ, و تبدء سمفونية الضوء و الظّل و الرخام.

شجرة النارنج تحتضن ثمارها, و الدالية حامل, و الياسمينة ولدت ألف قمر أبيض و علقتهم على قضبان النوافذ..و أسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا..

أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء.. و تنفخه.. و تستمر اللعبة المائية ليلاً و نهاراً..لا النوافير تتعب.. و لا ماء دمشق ينتهي..

الورد البلديّ سجَّاد أحمر ممدود تحت أقدامك.. و اللَّيلكَة تمشط شعرها البنفسجي, و الشِمشير, و الخبَّيزة, و الشاب الظريف,و المنثور, و الريحان, و الأضاليا.. و ألوف النباتات الدمشقية التي أتذكَّر ألوانها و لا أتذكر أسمائها.. لا تزال تتسلق على أصابعي كلَّما أرت أن أكتب..

القطط الشامِّية النظيفة الممتلئة صحةً و نضارة تصعد إلى مملكة الشمس لتمارس غزلها و رومانتيكيتها بحريّة مطلقة, و حين تعود بعد هجر الحبيب و معها قطيع من صغارها ستجد من يستقبلها و يُطعمها و يكفكف دموعها..

الأدراج الرخاميّة تصعد.. و تصعد..على كيفها..و الحمائم تهاجر و ترجع على كيفها.. لا أحد يسألها ماذا تفعل؟ و السمكُ الأحمر يسبح على كيفه.. و لا أحد يسأله إلى أين؟

و عشرون صحيفة فثلّ في صحن الدار هي كل ثروة أمي.

كلُّ زّر فّلٍ عندها يسلوي صبيّاً من أولادها.. لذاك كلما غافلناها و سرقنا ولداً من أولادها..بكتْ..و شكتنا إلى الله..

***

ضمن نطاق هذا الحزام الأخضر.. و لدتُ, و حبونُ, و نطقتُ كلماتي الأولى.

كان إصطدامي بالجمال قدراً يومياً. كنتُ إذا تعثّرتُ أتعثّر بجناح حمامة.. و إذا سقطتُ أسقط على حضن وردة..

هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ على كل مشاعري و أفقدني شهِّية الخروج إلى الزقاق.. كما يفعل الصبيات في كل الحارات.. و من هنا نشأ عندي هذا الحسُّ (البيتوتّي) الذي رافقني في كلّ مراحل حياتي.

إنني أشعر حتى اليوم بنوع من الإكتفاء الذاتي, يجعل التسَّكع على أرصفة الشوارع, و اصطياد الذباب في المقاهي المكتظة بالرجال, عملاً ترفضه طبيعتي.

و إذا كان نصف أدباء العالم قد تخرج من أكادمية المقاهي, فإنني لم أكن من متخرّجيها.

لقد كنت أؤمن أن العمل الأدبي عمل من أعمال العبادة, له طقوسه و مراسمه و طهارته, و كان من الصعب عليَّ أن أفهم كيف يمكن أن يخرج الأدب الجادّ من نرابيش النراجيل, و طقطقة أحجار النرد..

***

طفولتي قضيتها تحت (مظلّة الفيْ و الرطوبة) التي هي بيتنا العتيق في (مئذنة الشحم).

كان هذا البيت هو نهاية حدود العالم عندي, كان الصديق, و الواحة, و المشتى, و المصيف..

أستطيع الآن, أن أغمض عيني و أعد مسامير أبوابه, و أستعيد آيات القرآن المحفورة على خشب قاعاته.

أستطيع الآن أن أعدّ بلاطاته واحدةً..واحدة.. و أسماك بركته واحدةً..واحدة.. و سلالمه الرخاميّة درجةً..درجة..

أستطيع أن أغمض عيني, و أستعيد, بعد ثلا ثيين سنة مجلسَ أبي في صحن الدار, و أمامه فنجان قهوته, و منقله, و علبة تبغه, و جريدته.. و على صفحات الجريدة تساقط كلّ خمس دقائق زهرة ياسمين بيضاء.. كأنها رسالة حبّ قادمة من السماء..

على السجادة الفارسيّة الممدودة على بلاط الدار ذاكرتُ دروسي, و كتبتُ فروضي, و حفظتُ قصائد عمر بن كلثوم, و زهير, و النابغة الذبياني, و طرفة بن العبد..

هذا البيت-المظّلة ترك بصماته واضحة على شعري. تماماً كما تركت غرناطة و قرطبة و إشبيليا بصماتها على الشعر الأندلسي.

القصيدة العربية عندما وصلت إلى إسبانيا كانت مغطّاةً بقشرة كثيفة من الغبار الصحراوي.. و حين دخلتْ منطقة الماء و البرودة في جبال (سييرا نيفادا) و شواطئ نهر الوادي الكبير..

و تغلغلت في بساتين الزيتون و كروم العنب في سهول قرطبة, خلعت ملابسها و ألقت نفسها في الماء.. و من هذا الإصطدام التاريخي بين الظمأ و الريّ..وُلِدَ الشعر الأندلسيّ..

هذا هو تفسيري الوحيد لهذا الإنقلاب الجذريّ في القصيدة العربية حين سافرتْ إلى إسبانيا في القرن السابع.

إنها بكل بساطة دخلتْ إلى قاعة مكيّفة الهواء..

و الموشحات الأندلسية ليست سوى (قصائد مكيفة الهواء)..

و كما حدث للقصيدة العربية في إسبانيا حدث لي, امتلأت طفولتي رطوبة, و امتلأت دفاتري رطوبة, و امتلأت أبجديتي رطوبة..

هذه اللغة الشاميّة التي تتغلغل في مفاصل كلماتي, تعلَّمتها في البيت-المظّلة الذي حدثتكم عنه..

و لقد سافرت كثيراً بعد ذلك, و ابتعدت عن دمشق موظفاً في السلك الديبلوماسي نحو عشرين عاماً و تعلمت لغاتً كثيرة أخرى, إلاَّ أن أبجديتي الدمشقية ظلت متمسكة بأصابعي و حنجرتي, و ثيابي. و ظللتُ ذلك الطفل الذي يحمل في حقيبته كلَّ ما في أحواض دمشق, من نعناعٍ, و فلّ, و ورد بلدي..

إلى كل فنادق العالم التي دخلتُها..حملتُ معي دمشق, و نمت معها على سريرٍ واحد.



قصــــــــائد مكتــــــــوبة



يُسمعني.. حـينَ يراقصُني

كلماتٍ ليست كالكلمات

يأخذني من تحـتِ ذراعي

يزرعني في إحدى الغيمات

والمطـرُ الأسـودُ في عيني

يتساقـطُ زخاتٍ.. زخات

يحملـني معـهُ.. يحملـني

لمسـاءٍ ورديِ الشُـرفـات

وأنا.. كالطفلـةِ في يـدهِ

كالريشةِ تحملها النسمـات

يحمـلُ لي سبعـةَ أقمـارٍ

بيديـهِ وحُزمـةَ أغنيـات

يهديني شمسـاً.. يهـديني

صيفاً.. وقطيـعَ سنونوَّات

يخـبرني.. أني تحفتـهُ

وأساوي آلافَ النجمات

و بأنـي كنـزٌ... وبأني

أجملُ ما شاهدَ من لوحات

يروي أشيـاءَ تدوخـني

تنسيني المرقصَ والخطوات

كلماتٍ تقلـبُ تاريخي

تجعلني امرأةً في لحظـات

يبني لي قصـراً من وهـمٍ

لا أسكنُ فيهِ سوى لحظات

وأعودُ.. أعودُ لطـاولـتي

لا شيءَ معي.. إلا كلمات


حبُّ ..بلا حُدُودْ..


-1-

يا سيِّدتي:

كنتِ أهم امرأةٍ في تاريخي

قبل رحيل العامْ.

أنتِ الآنَ.. أهمُّ امرأةٍ

بعد ولادة هذا العامْ..

أنتِ امرأةٌ لا أحسبها بالساعاتِ و بالأيَّامْ.

أنتِ امرأةٌ..

صُنعَت من فاكهة الشِّعرِ..

و من ذهب الأحلامْ..

أنتِ امرأةٌ..كانت تسكن جسدي

قبل ملايين الأعوامْ..

-2-


يا سيِّدتي:

يالمغزولة من قطنٍ و غمامْ.

يا أمطاراً من ياقوتٍ..

يا أنهاراً من نهوندٍ..

يا غاباتِ رخام..

يا ن تسبح كالأسماكِ بماءِ القلبِ..

و تسكنُ في العينينِ كسربِ حمامْ.

لن يتغَّرَ شيئٌ في عاطفتي..

في إحساسي..

في وجداني..في إيماني..

فأنا سوف أَظَلُّ على دين الإسلامْ..

-3-


يا سيِّدتي:

لا تَهتّمي في إيقاع الوقتِ, و أسماء السنواتْ.

أنتِ امرأةً تبقة امرأةً.. في كلَِ الأوقاتْ.

سوف أحِبُّكِ..

عد دخول القرن الواحد و العشرينَ..

و عند دخول القرن الخامس و العشرينَ..

و عند دخول القرن التاسع و العشرينَ..

و سوفَ أحبُّكِ..

حين تجفُّ مياهُ البَحْرِ..

و تحترقُ الغاباتْ..

-4-


يا سيِّدتي:

أنتِ خلاصةُ كلِّ الشعرِ..

و وردةُ كلِّ الحرياتْ.

يكفي أنت أتهجى إسمَكِ..

حتى أصبحَ مَلكَ الشعرِ..

و فرعون الكلماتْ..

يكفي أن تعشقني امرأةٌ مثلكِ..

حتى أدخُلَ في كتب التاريخِ..

و ترفعَ من أجلي الراياتْ..

-5-


يا سيِّدتي:

لا تَضطربي مثلَ الطائرِ في زَمَن الأعيادْ.

لَن يتغَّرَ شيءٌ منّي.

لن يتوقّفَ نهرُ الحبِّ عن الجريانْ.

لن يتوقف نَبضُ القلبِ عن الخفقانْ.

لن يتوقف حَجَلُ الشعرِ عن الطيرانْ.

حين يكون الحبُ كبيراً ..

و المحبوبة قمراً..

لن يتحول هذا الحُبُّ

لحزمَة قَشٍّ تأكلها النيرانْ...


-6-


يا سيِّدتي:

ليس هنالكَ شيئٌ يملأ عَيني

لا الأضواءُ..

و لا الزيناتُ..

و لا أجراس العيد..

و لا شَجَرُ الميلادْ.

لا يعني لي الشارعُ شيئاً.

لا تعني لي الحانةُ شيئاً.

لا يعنيي أي كلامٍ

يكتبُ فوق بطاقاتِ الأعيادْ.


-7-


يا سيِّدتي:

ل اأتذكَّرُ إلا صوتَكِ

حين تدقُّ نواقبس الأحيادْ.

لاأتذكرُ إلا عطرَكِ

حين أنام على ورق الأعشابْ.

لا أتذكر إلا وجهكِ..

حين يهرهر فوق ثيابي الثلجُ..

و أسمع طَقْطَقَةَ الأحطابْ..

-8-


ما يُفرِحُني يا سيِّدتي

أن أتكوَّمَ كالعصفور الخائفِ

بين بساتينِ الأهدابْ...


-9-


ما يبهرني يا سيِّدتي

أن تهديني قلماً من أقلام الحبرِ..

أعانقُهُ..

و أنام سعيداً كالأولادْ...


-10-


يا سيِّدتي:

ما أسعدني في منفاي

أقطِّرُ ماء الشعرِ..

و أشرب من خمر الرهبانْ

ما أقواني..

حين أكونُ صديقاً

للحريةِ.. و الإنسانْ...

-11-



يا سيِّدتي:

كم أتمنى لو أحببتُكِ في عصر التَنْويرِ..

و في عصر التصويرِ..

و في عصرِ الرُوَّادْ

كم أتمنى لو قابلتُكِ يوماً

في فلورنسَا.

أو قرطبةٍ.

أو في الكوفَةِ

أو في حَلَبً.

أو في بيتٍ من حاراتِ الشامْ...

-12-



يا سيِّدتي:

كم أتمنى لو سافرنا

نحو بلادٍ يحكمها الغيتارْ.

حيث الحبُّ بلا أسوارْ.

و الكلمات بلا أسوارْ.

و الأحلامُ بلا أسوارْ.

-13


يا سيِّدتي:

لا تَنشَغِلي بالمستقبلِ, يا سيدتي

سوف يظلُّ حنيني أقوى مما كانَ..

و أعنفَ مما كانْ..

أنتِ امرأةٌ لا تتكرَّرُ.. في تاريخ الوَردِ..

و في تاريخِ الشعْرِ..

و في ذاكرةَ الزنبق و الريحانْ...


-14-



يا سيِّدةَ العالَمِ:

لا يشغِلُني إلا حُبُّكِ في آتي الأيامْ.

أنتِ امرأتي الأولى.

أمي الأولى.

رحمي الأولُ.

شَغَفي الأولُ.

شَبَقي الأوَّلُ.

طوق نجاتي في زَمَن الطوفانْ...


-15-


يا سيِّدتي:

يا سيِّدة الشِعْرِ الأُولى.

هاتي يَدَكِ اليُمْنَى كي أتخبَّأ فيها..

هاتي يَدَكِ اليُسْرَى..

كي أستوطنَ فيها..

قُلي أيَّ عبارة حُبٍّ

حيت تبتدئَ الأعيادْ...


حبيبي


لا تسألوني .. ما اسمه حبيبي

أخشى عليكم ضوعة الطيوب

زق العبيد إن حطمتموه

غرقتم بعاطر سكيب

والله، لو بحت بأي حرف

تكدس الليلك في الدروب

لا تبحثوا عنه هنا بصدري

تركته يجري مع الغروب

ترونه في ضحكة السواقي

في رفة الفراشة اللعوب

في البحر ، في تنفس المراعي

وفي غناء كل عندليب

في أدمع الشتاء حين يبكي

وفي عطاء الديمة السكوب

لا تسألوا عن ثغره .. فهلا

رأيتم أناقة المغيب

ومقلتاه شاطئا نقاء

وخصره تهزهز القضيب

محاسن .. لا ضمها كتاب

ولا ادعتها ريشة الأديب

وصدره ..ونحره .. كفاكم

فلن أبوح باسمه حبيبي

قصيدة : سؤال


تقولُ : حبيبتي إذا ما نموتُ

ويدرج في الأرض جثمانُنا

إلى أي شيء يصير هوانا

أيبلى كما هي أجسادُنا؟

أيتلفُ هذا البريقُ العجيب

كما سوف تتلف أعضاؤنا

إذا كان للحب هذا المصير

فقد ضيعتُ فيه أوقاتنُا


أجبتُ : ومن قال إنا نموتُ

وتنأى عن الأرض أشباحنا

ففي غرفُ الفجر يجري شذانا

وتكمنُ في الجو أطيابنُا

نفيق مع الورد صبُحاً وعند

العشيات تقُفلُ أجفاننُا

وإن تنفخ الريح طي الشقوق

ففيها صدانا وأصواتُنا

وإن طننت نحلةُ في الفراغ

تطن مع النحل قُبلاتُنا

نموتُ … أما أسف أن نموت ؟

وما يبست بعدُ أوراقُنا

يقولون : من نحن ؟ نحن الذين

حرام إذا مات أمثالنُا

ندوسُ … فتمشي الطريق غلالاً

وتُنمي الحشائش أقدامنُا

سيسألُ عنا الرعاة الشيوخُ

وتبكي العصافير … أصحابُنا

سيخسرنا الحرجُ والحاطبون

وتكسدُ في الأرض أخشابُنا

غداً … لن نمر عليهم مساءً

ولن تملأ … الغاب نيرانُنا

وزُرقُ الحساسين من بعدنا

سيطعمها وهي أولادنُا

وفرشنا كورنُا في الشتاء

بها اللفلفات … وألعابنُا

أنتركهُا … كيف نتركها ؟

وما أُرهقت بعدُ أعصابُنا

ومخأبُنا في السياج العتيق

تدور … تدور … حكاياتنُا

وأنتِ بقلبي ملصوقةُ

يطولُ على الأرض إغماؤنُا

سنبقى … وحين يعود الربيعُ

يعود شذانا … وأوراقنُا

إذا يُذكر الوردُ في مجلسٍ

مع الورد تسرد أخبارنُا




بالصـــــــــورة والكلمـــــــــــــات

راشــيل وأخواتها .. قانا



وجه قانا شاحب اللون كما وجه يسوع.

و هواء البحر في نيسان,

أمطار دماء, و دموع…

2


دخلوا قانا على أجسادنا

يرفعون العلم النازي في أرض الجنوب.

و يعيدون فصول المحرقة..

هتلر أحرقهم في غرف الغاز

و جاؤوا بعده كي يحرقونا..

هتلر هجرهم من شرق أوروبا..

و هم من أرضنا قد هجرونا.

هتلر لم يجد الوقت لكي يمحقهم

و يريح الأرض منهم..

فأتوا من بعده ..كي يمحقونا!!.


3


دخلوا قانا..كأفواج ذئاب جائعة.

يشعلون النار في بيت المسيح.

و يدوسون على ثوب الحسين..

و على أرض الجنوب الغالية..


4


قصفوا الحنطة, و الزيتون, و التبغ,

و أصوات البلابل..

قصفوا قدموس في مركبه..

قصفوا البحر..و أسراب النوارس..

قصفوا حتى المشافي..و النساء المرضعات..

و تلاميذ المدارس.

قصفوا سحر الجنوبيات

و اغتالوا بساتين العيون العسلية!..

5

….و رأينا الدمع في جفن علي.

و سمعنا صوته و هو يصلي

تحت أمطار سماء دامية..

6

كل من يكتب عن تاريخ (قانا)

سيسميها على أوراقه:

(كربلاء الثانية)!!.


7


كشفت قانا الستائر..

و رئينا أميركا ترتدي معطف حاخام يهودي عتيق..

و تقود المجزرة..

تطلق النار على أطفالنا دون سبب..

و على زوجاتنا دون سبب.

و على أشجارنا دون سبب.

و على أفكارنا دون سبب.

فهل الدستور في سيدة العالم..

بالعبري مكتوب..لإذلال العرب؟؟


8


هل على كل رئيس حاكم في أمريكا؟

إن أراد الفوز في حلم الرئاسة..

قتلنا, نحن العرب؟

9



انتظرنا عربي واحداً.

يسحب الخنجر من رقبتنا..

انتظرنا هاشميا واحداً..

انتظرنا قريشياً واحداً..

دونكشوتاً واحداً..

قبضاياً واحداً لم يقطعوا شاربه…

انتظرنا خالداً..أو طارقاً..أو عنترة..

فأكلنا ثرثرة و شربنا ثرثرة..

أرسلوا فاكسا إلينا..استلمنا نصه

بعد تقديم التعازي و انتهاء المجزرة!!.

10



ما الذي تخشاه إسرائيل من صرخاتنا؟

ما الذي تخشاه من (فاكساتنا)؟

فجهاد الفاكس من أبسط أنواع الجهاد..

فهو نص واحد نكتبه

لجميع الشهداء الراحلين.

و جميع الشهداء القادمين!!.

11



ما الذي تخشاه إسرائيل من ابن المقفع؟

و جرير ..و الفرذدق؟

و من الخنساء تلقي شعرها عند باب المقبرة..

ما الذي تخشاه من حرق الإطارات..

و توقيع البيانات..و تحطيم لمتاجر..

و هي تدري أننا لم نكن يوما ملوك الحرب..

بل كنا ملوك الثرثرة…

12



ما الذي تخشاه من قرقعة الطبل..

و من شق الملاءات..و من لطم الخدود؟

ما الذي تخشاه من أخبار عاد و ثمود؟؟

13



نحن في غيبوبة قومية

ما استلمنا منذ أيام الفتوحات بريدا…

14



نحن شعب من عجين.

كلما تزداد إسرائيل إرهابا و قتلا..

نحن نزداد ارتخاء ..و برودا..

15



وطن يزداد ضيقاً.

لغة قطرية تزداد قبحاً.

وحدة خضراء تزداد انفصالاً.

و حدود كلما شاء الهوى تمحو حدودا!!

16



كيف إسرائيل لا تذبحنا ؟

كيف لا تلغي هشاما, و زياداً, و الرشيدا؟

و بنو تغلب مشغولون في نسوانهم..

و بنوا مازن مشغولون في غلمانهم..

و بنو هاشم يرمون السراويل على أقدامها..

و يبيحون شفاها ..و نهودا!!.

17



ما الذي تخشاه إسرائيل من بعض العرب

بعد ما صاروا يهودا؟؟…

لندن أيار 1996




منشورات فدائية على جدران إسرائيل



لن تجعلوا من شعبنا

شعبَ هنودٍ حُمرْ..

فنحنُ باقونَ هنا..

في هذه الأرضِ التي تلبسُ في معصمها

إسوارةً من زهرْ

فهذهِ بلادُنا..

فيها وُجدنا منذُ فجرِ العُمرْ

فيها لعبنا، وعشقنا، وكتبنا الشعرْ

مشرِّشونَ نحنُ في خُلجانها

مثلَ حشيشِ البحرْ..

مشرِّشونَ نحنُ في تاريخها

في خُبزها المرقوقِ، في زيتونِها

في قمحِها المُصفرّْ

مشرِّشونَ نحنُ في وجدانِها

باقونَ في آذارها

باقونَ في نيسانِها

باقونَ كالحفرِ على صُلبانِها

ياقونَ في نبيّها الكريمِ، في قُرآنها..

وفي الوصايا العشرْ..


2


لا تسكروا بالنصرْ…

إذا قتلتُم خالداً.. فسوفَ يأتي عمرْو

وإن سحقتُم وردةً..

فسوفَ يبقى العِطرْ


3


لأنَّ موسى قُطّعتْ يداهْ..

ولم يعُدْ يتقنُ فنَّ السحرْ..

لأنَّ موسى كُسرتْ عصاهْ

ولم يعُدْ بوسعهِ شقَّ مياهِ البحرْ

لأنكمْ لستمْ كأمريكا.. ولسنا كالهنودِ الحمرْ

فسوفَ تهلكونَ عن آخركمْ

فوقَ صحاري مصرْ…


4


المسجدُ الأقصى شهيدٌ جديدْ

نُضيفهُ إلى الحسابِ العتيقْ

وليستِ النارُ، وليسَ الحريقْ

سوى قناديلٍ تضيءُ الطريقْ


5

من قصبِ الغاباتْ

نخرجُ كالجنِّ لكمْ.. من قصبِ الغاباتْ

من رُزمِ البريدِ، من مقاعدِ الباصاتْ

من عُلبِ الدخانِ، من صفائحِ البنزينِ، من شواهدِ الأمواتْ

من الطباشيرِ، من الألواحِ، من ضفائرِ البناتْ

من خشبِ الصُّلبانِ، ومن أوعيةِ البخّورِ، من أغطيةِ الصلاةْ

من ورقِ المصحفِ نأتيكمْ

من السطورِ والآياتْ…

فنحنُ مبثوثونَ في الريحِ، وفي الماءِ، وفي النباتْ

ونحنُ معجونونَ بالألوانِ والأصواتْ..

لن تُفلتوا.. لن تُفلتوا..

فكلُّ بيتٍ فيهِ بندقيهْ

من ضفّةِ النيلِ إلى الفراتْ


6


لن تستريحوا معنا..

كلُّ قتيلٍ عندنا

يموتُ آلافاً من المراتْ…


7


إنتبهوا.. إنتبهوا…

أعمدةُ النورِ لها أظافرْ

وللشبابيكِ عيونٌ عشرْ

والموتُ في انتظاركم في كلِّ وجهٍ عابرٍ…

أو لفتةٍ.. أو خصرْ

الموتُ مخبوءٌ لكم.. في مشطِ كلِّ امرأةٍ..

وخصلةٍ من شعرْ..


8


يا آلَ إسرائيلَ.. لا يأخذْكم الغرورْ

عقاربُ الساعاتِ إن توقّفتْ، لا بدَّ أن تدورْ..

إنَّ اغتصابَ الأرضِ لا يُخيفنا

فالريشُ قد يسقطُ عن أجنحةِ النسورْ

والعطشُ الطويلُ لا يخيفنا

فالماءُ يبقى دائماً في باطنِ الصخورْ

هزمتمُ الجيوشَ.. إلا أنكم لم تهزموا الشعورْ

قطعتم الأشجارَ من رؤوسها.. وظلّتِ الجذورْ


9


ننصحُكم أن تقرأوا ما جاءَ في الزّبورْ

ننصحُكم أن تحملوا توراتَكم

وتتبعوا نبيَّكم للطورْ..

فما لكم خبزٌ هنا.. ولا لكم حضورْ

من بابِ كلِّ جامعٍ..

من خلفِ كلِّ منبرٍ مكسورْ

سيخرجُ الحجّاجُ ذاتَ ليلةٍ.. ويخرجُ المنصورْ


10


إنتظرونا دائماً..

في كلِّ ما لا يُنتظَرْ

فنحنُ في كلِّ المطاراتِ، وفي كلِّ بطاقاتِ السفرْ

نطلعُ في روما، وفي زوريخَ، من تحتِ الحجرْ

نطلعُ من خلفِ التماثيلِ وأحواضِ الزَّهرْ..

رجالُنا يأتونَ دونَ موعدٍ

في غضبِ الرعدِ، وزخاتِ المطرْ

يأتونَ في عباءةِ الرسولِ، أو سيفِ عُمرْ..

نساؤنا.. يرسمنَ أحزانَ فلسطينَ على دمعِ الشجرْ

يقبرنَ أطفالَ فلسطينَ، بوجدانِ البشرْ

يحملنَ أحجارَ فلسطينَ إلى أرضِ القمرْ..


11


لقد سرقتمْ وطناً..

فصفّقَ العالمُ للمغامرهْ

صادرتُمُ الألوفَ من بيوتنا

وبعتمُ الألوفَ من أطفالنا

فصفّقَ العالمُ للسماسرهْ..

سرقتُمُ الزيتَ من الكنائسِ

سرقتمُ المسيحَ من بيتهِ في الناصرهْ

فصفّقَ العالمُ للمغامرهْ

وتنصبونَ مأتماً..

إذا خطفنا طائرهْ


12


تذكروا.. تذكروا دائماً

بأنَّ أمريكا – على شأنها –

ليستْ هيَ اللهَ العزيزَ القديرْ

وأن أمريكا – على بأسها –

لن تمنعَ الطيورَ أن تطيرْ

قد تقتلُ الكبيرَ.. بارودةٌ

صغيرةٌ.. في يدِ طفلٍ صغيرْ


13


ما بيننا.. وبينكم.. لا ينتهي بعامْ

لا ينتهي بخمسةٍ.. أو عشرةٍ.. ولا بألفِ عامْ

طويلةٌ معاركُ التحريرِ كالصيامْ

ونحنُ باقونَ على صدوركمْ..

كالنقشِ في الرخامْ..

باقونَ في صوتِ المزاريبِ.. وفي أجنحةِ الحمامْ

باقونَ في ذاكرةِ الشمسِ، وفي دفاترِ الأيامْ

باقونَ في شيطنةِ الأولادِ.. في خربشةِ الأقلامْ

باقونَ في الخرائطِ الملوّنهْ

باقونَ في شعر امرئ القيس..

وفي شعر أبي تمّامْ..

باقونَ في شفاهِ من نحبّهمْ

باقونَ في مخارجِ الكلامْ..


14


موعدُنا حينَ يجيءُ المغيبْ

موعدُنا القادمُ في تل أبيبْ

"نصرٌ من اللهِ وفتحٌ قريبْ"


15


ليسَ حزيرانُ سوى يومٍ من الزمانْ

وأجملُ الورودِ ما ينبتُ في حديقةِ الأحزانْ..


16


للحزنِ أولادٌ سيكبرونْ..

للوجعِ الطويلِ أولادٌ سيكبرونْ

للأرضِ، للحاراتِ، للأبوابِ، أولادٌ سيكبرونْ

وهؤلاءِ كلّهمْ..

تجمّعوا منذُ ثلاثينَ سنهْ

في غُرفِ التحقيقِ، في مراكزِ البوليسِ، في السجونْ

تجمّعوا كالدمعِ في العيونْ

وهؤلاءِ كلّهم..

في أيِّ.. أيِّ لحظةٍ

من كلِّ أبوابِ فلسطينَ سيدخلونْ..


17


..وجاءَ في كتابهِ تعالى:

بأنكم من مصرَ تخرجونْ

وأنكمْ في تيهها، سوفَ تجوعونَ، وتعطشونْ

وأنكم ستعبدونَ العجلَ دونَ ربّكمْ

وأنكم بنعمةِ الله عليكم سوفَ تكفرونْ

وفي المناشير التي يحملُها رجالُنا

زِدنا على ما قالهُ تعالى:

سطرينِ آخرينْ:

ومن ذُرى الجولانِ تخرجونْ

وضفّةِ الأردنِّ تخرجونْ

بقوّةِ السلاحِ تخرجونْ..


18


سوفَ يموتُ الأعورُ الدجّالْ

سوفَ يموتُ الأعورُ الدجّالْ

ونحنُ باقونَ هنا، حدائقاً، وعطرَ برتقالْ

باقونَ فيما رسمَ اللهُ على دفاترِ الجبالْ

باقونَ في معاصرِ الزيتِ.. وفي الأنوالْ

في المدِّ.. في الجزرِ.. وفي الشروقِ والزوالْ

باقونَ في مراكبِ الصيدِ، وفي الأصدافِ، والرمالْ

باقونَ في قصائدِ الحبِّ، وفي قصائدِ النضالْ

باقونَ في الشعرِ، وفي الأزجالْ

باقونَ في عطرِ المناديلِ..

في (الدَّبكةِ) و (الموَّالْ)..

في القصصِ الشعبيِّ، والأمثالْ

باقونَ في الكوفيّةِ البيضاءِ، والعقالْ

باقونَ في مروءةِ الخيلِ، وفي مروءةِ الخيَّالْ

بالقونَ في (المهباجِ) والبُنِّ، وفي تحيةِ الرجالِ للرجالْ

باقونَ في معاطفِ الجنودِ، في الجراحِ، في السُّعالْ

باقونَ في سنابلِ القمحِ، وفي نسائمِ الشمالْ

باقونَ في الصليبْ..

باقونَ في الهلالْ..

في ثورةِ الطلابِ، باقونَ، وفي معاولِ العمّالْ

باقونَ في خواتمِ الخطبةِ، في أسِرَّةِ الأطفالْ

باقونَ في الدموعْ..

باقونَ في الآمالْ


19


تسعونَ مليوناً من الأعرابِ خلفَ الأفقِ غاضبونْ

با ويلكمْ من ثأرهمْ..

يومَ من القمقمِ يطلعونْ..


20


لأنَّ هارونَ الرشيدَ ماتَ من زمانْ

ولم يعدْ في القصرِ غلمانٌ، ولا خصيانْ

لأنّنا مَن قتلناهُ، وأطعمناهُ للحيتانْ

لأنَّ هارونَ الرشيدَ لم يعُدْ إنسانْ

لأنَّهُ في تحتهِ الوثيرِ لا يعرفُ ما القدسَ.. وما بيسانْ

فقد قطعنا رأسهُ، أمسُ، وعلّقناهُ في بيسانْ

لأنَّ هارونَ الرشيدَ أرنبٌ جبانْ

فقد جعلنا قصرهُ قيادةَ الأركانْ..



21

ظلَّ الفلسطينيُّ أعواماً على الأبوابْ..

يشحذُ خبزَ العدلِ من موائدِ الذئابْ

ويشتكي عذابهُ للخالقِ التوَّابْ

وعندما.. أخرجَ من إسطبلهِ حصاناً

وزيَّتَ البارودةَ الملقاةَ في السردابْ

أصبحَ في مقدورهِ أن يبدأَ الحسابْ..



22

نحنُ الذينَ نرسمُ الخريطهْ

ونرسمُ السفوحَ والهضابْ..

نحنُ الذينَ نبدأُ المحاكمهْ

ونفرضُ الثوابَ والعقابْ..



23

العربُ الذين كانوا عندكم مصدّري أحلامْ

تحوّلوا بعدَ حزيرانَ إلى حقلٍ من الألغامْ

وانتقلت (هانوي) من مكانها..

وانتقلتْ فيتنامْ..



24

حدائقُ التاريخِ دوماً تزهرُ..

ففي ذُرى الأوراسِ قد ماجَ الشقيقُ الأحمرُ..

وفي صحاري ليبيا.. أورقَ غصنٌ أخضرُ..

والعربُ الذين قلتُم عنهمُ: تحجّروا

تغيّروا..

تغيّروا



25



أنا الفلسطينيُّ بعد رحلةِ الضياعِ والسّرابْ

أطلعُ كالعشبِ من الخرابْ

أضيءُ كالبرقِ على وجوهكمْ

أهطلُ كالسحابْ

أطلعُ كلَّ ليلةٍ..

من فسحةِ الدارِ، ومن مقابضِ الأبوابْ

من ورقِ التوتِ، ومن شجيرةِ اللبلابْ

من بركةِ الدارِ، ومن ثرثرةِ المزرابْ

أطلعُ من صوتِ أبي..

من وجهِ أمي الطيبِ الجذّابْ

أطلعُ من كلِّ العيونِ السودِ والأهدابْ

ومن شبابيكِ الحبيباتِ، ومن رسائلِ الأحبابْ

أفتحُ بابَ منزلي.

أدخلهُ. من غيرِ أن أنتظرَ الجوابْ

لأنني أنا.. السؤالُ والجوابْ



26

محاصرونَ أنتمُ بالحقدِ والكراهيهْ

فمن هنا جيشُ أبي عبيدةٍ

ومن هنا معاويهْ

سلامُكم ممزَّقٌ..

وبيتُكم مطوَّقٌ

كبيتِ أيِّ زانيهْ..



27


نأتي بكوفيّاتنا البيضاءِ والسوداءْ

نرسمُ فوقَ جلدكمْ إشارةَ الفداءْ

من رحمِ الأيامِ نأتي كانبثاقِ الماءْ

من خيمةِ الذُّل التي يعلكُها الهواءْ

من وجعِ الحسينِ نأتي.. من أسى فاطمةَ الزهراءْ

من أُحدٍ نأتي.. ومن بدرٍ.. ومن أحزانِ كربلاءْ

نأتي لكي نصحّحَ التاريخَ والأشياءْ

ونطمسَ الحروفَ..

في الشوارعِ العبريّةِ الأسماء..


بلقيس




شكراً لكم ..
شكراً لكم ..
فحبيبتي قتلت .. وصار بوسعكم
ان تشربوا كاساً على قبر الشهيده
وقصيدتي اغتيلت وهل من امه في الارض
الا نحن .. نغتال القصيده
بلقيس كانت اجمل الملكات في تاريخ بابل
بلقيس


كانت إذا تمشي ترفقها طواويس
وتتبعها أيائل
بلقيس
يا وجعي ..
يا وجع القصيده حين تلمسها الانامل
هل يا ترى ..
من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل ؟
قتلوك يا بلقيس ..
ايه امه عربية ..
تلك التي تغتال اصوات البلابل ؟
اين السموأل ؟
المهلهل ؟
والغطاريف الاوائل ؟
فقبائل قتلت قبائل ..
وثعالب قتلت ثعالب ..
وعناكب قتلت عناكب ..
قسما بعينيك اللتين اليهما ..
تأوي ملايين الكواكب ..
ساقول يا قمري عن العرب العجائب
فهل البطولة كذبه عربية ؟
ام مثلنا التاريخ كاذب ؟


بلقيس
لا تتغيبي عني
فإن الشمس بعدك
لا تضيئ على السواحل ..
ساقول في التحقيق :
ان اللص اصبح يرتدي ثوب
المقاتل
واقول في التحقيق :
ان القائد الموهوب اصبح
كالمقاول ..
واقول
ان حكاية الاشعاع
اسخف نكتة قيلت ..
فنحن قبيله بين القبائل
هذا هوا التاريخ يا بلقيس
كيف يفرق الانسان ..
مابين الحدائق والمزابل
بلقيس ايتها الشهيدة .. والقصيدة ..
والمطهرة .. النقية ..
سبأ تفتش عن مليكتها
فردي للجماهير التحيه ..
يا اعظم الملكات ..
يا امراة تجسد كل امجاد العصور
السومريه


بلقيس
يا عصفورتي الاحلى ..
ويا ايقونتي الاغلى ..
ويا دمعا تناثر فوق خد المجدلية
اترى ظلمتك ان نقلتك
ذات يوم .. من ضفاف الاعظمية
بيروت تقتل كل يوم ولدا امنا ..
وتبحث كل يوم عن ضحيه
والموت .. في فنجان قهوتنا ..
وفي مفتاح شقتنا ..
وفي ازهار شرفتنا ..
وفي ورق الجرائد ..
والحروف الابجديه ..
ها نحن .. يا بلقيس
ندخل مرة اخرى العصور الجاهليه ..
ها نحن ندخل في التوحش
والتخلف .. والبشاعه .. والوضاعه
ندخل مرة اخرى .. عصور البربريه
حيث الكتابه رحلة
بين الشظية .. والشظية ؟
فهي اهم ما كتبوه في كتب الغرام
كانت مزيجا رائعا
بين القطيفه والرخام
كان البنفسج بين عينيها
ينام ولا ينام ..
بلقيس يا عطرا بذاكرتي
ويا قبر يسافر في الغمام
قتلوك في بيروت مثل اي غزالة
من بعد ما قتلوا الكلام
بلقيس
ليس هذه مرثية
لكن ..
على العرب السلام
لكن ..
على العرب السلام
لكن..
على العرب السلام
بلقيس
مشتاقون .. مشتاقون .. مشتاقون
والبيت الصغير
يسائل عن اميرته المعطرة الزيول
نصغي الى الاخبار .. والاخبار غامضه
ولا تروي فضول ..



بلقيس
مذبحون حتى العظم
والاولاد لا يدرون
ما يجري ..
ولا ادري انا ..
ماذا اقول ؟
ولا ادري انا ..
ماذا اقول ؟
بلقيس
يا بلقيس
يا بلقيس
كل غمامه تبكي عليك ..
فمن ترى يبكي عليا
بلقيس .. كيف رحلتي صامته
ولم تضعي يديك
على يديا ؟
بلقيس
كيف تركتنا في الريح
نرجف مثل اوراق الاشجار ؟
وتركتنا نحن الثلاثه .. ضائعين
كريشه تحت الامطار ..
اتراك مافكرت بي ؟
اتراك مافكرت بي ؟
وانا الذي
يحتاج حبك ..
مثل ( زينب )
او ( عمر )
بلقيس
ان هم فجروك .. فعندنا
كل الجنائز تبتدي في كربلاء ..
وتنتهي في كربلاء ..
البحر في بيروت
بعد رحيل عينيك استقال ..
والشعر .. يسأل عن قصيدته
التى لم تكتمل كلماتها ..
ولا احد .. يجيب على السؤال
اخذوك ايتها الحبيبه من يدي ..
اخذوا القصيده من فمي ..
اخذوا الكتابه .. والقراءة ..
والطفولة .. والاماني
اني لا اعرف جيدا ..
ان الذين تورطوا في القتل
كان مرادهم ان يقتلوا كلماتي !!!
نامي بحفظ الله
ايتها الجميلة
فالشعر بعدك مستحيل
والانوثه مستحيله .

النجـــــم
31-01-2008, 06:58 PM
مشكور على النقل المميز

لك

تقديري

صقـر عتيبـة
01-02-2008, 08:09 AM
مشكوووووور يا النجم على الرد الجميل اسعدني تواجدك في الموضوع



لك تحياااااااااااااااااااااااااتي



صقر عتيبة